فصل: تفسير الآية رقم (87)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏85‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏85‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذى فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان‏}‏ أي أوجب عليك العمل به كما روي عن عطاء‏.‏ وعن مجاهد أي أعطاكه، وعن مقاتل وإليه ذهب الفراء‏.‏ وأبو عبيدة أي أنزله عليك والمعول عليه ما تقدم‏.‏

‏{‏لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ‏}‏ أي إلى محل عظيم القدر اعتدت به وألفته على أنه من العادة لا من العود، وهو كما في «صحيح البخاري»، وأخرجه ابن أبي شيبة‏.‏ وعبد بن حميد‏.‏ والنسائي‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ وابن مردويه‏.‏ والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس مكة، وروي ذلك أيضاً عن مجاهد‏.‏ والضحاك‏.‏ وجوز أن يكون من العود، والمراد به مكة أيضاً بناء على ما في مجمع البيان عن القتيبي أن معاد الرجل بلده لأنه يتصرف في البلاد ثم يعود إليه، وقد يقال‏:‏ أطلق المعاد على مكة لأن العرب كانت تعود إليها في كل سنة لمكان البيت فيها، وهذا وعد منه عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه عليه الصلاة والسلام يهاجر منها ويعود إليها، وروي عن غير واحد أن الآية نزلت بالجحفة بعد أن خرج صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً واشتاق إليها، ووجه ارتباطها بما تقدمها تضمنها الوعد بالعاقبة الحسنى في الدنيا كما تضمن ما قبلها الوعد بالعاقبة الحسنى في الآخرة‏.‏

وقيل‏:‏ إنه تعالى لما ذكر من قصة موسى عليه السلام وقومه مع قارون وبيعه واستطالته عليهم وهلاكه ونصرة أهل الحق عليه ما ذكر ذكر جل شأنه هنا ما يتضمن قصة سيدنا صلوات الله تعالى وسلامه عليه وأصحابه مع قومه واستطالتهم عليه وإخراجهم إياه من مسقط رأسه ثم اعزازه عليه الصلاة والسلام بالإعادة إلى مكة وفتحه إياها منصوراً مكرماً ووسط سبحانه بينهما ما هو كالتخلص من الأول إلى الثاني‏.‏

وأخرج الحاكم في التاريخ‏.‏ والديلمي عن عي كرم الله تعالى وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر المعاد بالجنة، وأخرج تفسيره بها ابن أبي سيبة‏.‏ والبخاري في تاريخه‏.‏ وأبو يعلى‏.‏ وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري‏.‏ وأخرجه ابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ والطبراني‏.‏ وابن مردويه عن ابن عباس، والتنكير عليه للتعظيم أيضاً، ووجه ارتباطا الآية بما قبلها أنها كالتصريح ببعض ما تضمنه ذلك‏.‏

واستشكل رده عليه الصلاة والسلام إلى الجنة من حيث إنه يقتضي سابقية كونه صلى الله عليه وسلم فيها مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن فيها‏.‏

وأجيب بالتزام السابقية المذكورة ويكفي فيها كونه صلى الله عليه وسلم فيها بالقوة إذ كان في ظهر آدم عليهما الصلاة والسلام حين كان فيها، وقيل‏:‏ إنه صلى الله عليه وسلم لما كان مستعداً لها من قبل كان كأنه كان فيها فالسابقية باعتبار ذلك الاستعداد على نحو ما قيل في قوله تعالى في الكفار‏:‏

‏{‏ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الجحيم‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 68‏]‏ ولا يخفى ما في كلا القولين من البعد، وقريب منهما ما قيل‏:‏ إن ذلك باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام دخلها ليلة المعراج، وقد يقال‏:‏ إن تفسيره بالجنة بيان لبعض ما يشعر به المعاد بأن يكون عبارة عن المحشر فقد صار كالحقيقة فيه لأنه ابتداء العود إلى الحياة التي كان المعاد عليها وجعله عظيماً كما يشعر به التنوين لعظمة ماله صلى الله عليه وسلم فيه ومنه الجنة، فالمعاد بواسطة تنوينه الدال على التعظيم يشعر بالجنة لأنها الحاوية مما أعد له صلى الله عليه وسلم من الأمور العظيمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقريب من تفسيره بالمحشر تفسيره بالآخرة كما أخرج ذلك عبد بن حميد‏.‏ وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، وتفسيره بيوم القيامة كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس‏.‏ وعبد بن حميد عن عكرمة إلا أنه على ما ذكر اسم زمان، وعلى ما تقدم اسم مكان‏.‏

ومما يشعر بأنه ليس المراد مجرد الرد إلى المحشر أو الآخرة أو يوم القيامة ما أخرجه الفريابي‏.‏ وعبد بن حميد‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال في الآية‏:‏ إن له معاداً يبعثه الله تعالى يوم القيامة ثم يدخله الجنة‏.‏ ويتخرج على نحو ما قلنا تفسيره بالمقام المحمود وهو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة‏.‏

وجاء في رواية أخرى رواها عبد بن حميد‏.‏ وابن مردويه عن ابن عباس‏.‏ وأبي سعيد الخدري أيضاً تفسيره بالموت، ورواها معهما عن الحبر‏.‏ الفريابي‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ والطبراني، وكونه معاداً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُنتُ أمواتا فأحياكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 28‏]‏ ولعل تعظيمه باعتبار أنه باب لوصوله صلى الله عليه وسلم إلى ما أعد الله عز وجل له من المقام المحمود والمنزلة العليا في الجنة إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وجل المقصود ما أشعر به التعظيم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن نعيم القاري أنه فسره ببيت المقدس‏.‏ وكأن إطلاق المعاد عليه باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم أسري به إليه ليلة المعراج، والوعد برده عليه الصلاة والسلام إليه وعد له بالإسراء إليه مرة أخرى أو باعتبار أن أرضه أرض المحشر فالمراد بالرد إليه الرد إلى المحشر، وهذا غاية ما يقال في توجيه ذلك‏.‏ فإن قبل فذاك وإلا فالأمر إليك؛ وكأني بك تختار ما في «صحيح البخاري» ورواه الجماعة الذين تقدم ذكرهم عن ابن عباس من أنه مكة‏.‏ وربما يخطر بالبال أن يراد بالمعاد الأمر المحبوب بنوع تجوز ويجعل بحيث يشمل مكة والجنة وغيرهما مما هو محبوب لديه صلى الله عليه وسلم، ويراد برده عليه الصلاة والسلام إلى الأمر المحبوب إيصاله إليه مرة بعد أخرى فالرد هنا مثله في قوله تعالى‏:‏

‏{‏فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 9‏]‏ وعليه يهون أمر اختلاف الروايات التي سمعتها في ذلك فتدبر‏.‏

‏{‏قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى‏}‏ يريد بذلك نفسه صلى الله عليه وسلم وبقوله سبحانه‏:‏

‏{‏وَمَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ المشركين الذين بعث إليهم صلى الله عليه وسلم و‏{‏مِنْ‏}‏ منتصب بفعل يدل عليه أعلم لا بأعلم لأن أفعل لا ينصب المفعول به في المشهور أي يعلم من جاء الخ، وأجاز بعضهم أن يكون منصوباً بأعلم على أنه بمعنى عالم، والمراد أنه عز وجل يجازي كلاً ممن جاء بالهدى ومن هو في ضلال على عمله، والجملة تقرير لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذى فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان‏}‏ الخ‏.‏ وفي معالم التنزيل هذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك في ضلال، ولعله لهذا وكون السبب فيه مجيئه عليه الصلاة والسلام إليهم بالهدى قيل‏:‏ في جانبه صلى الله عليه وسلم من جاء بالهدى وفي جانبهم من هو في ضلال مبين، ولم يؤت بهما على طرز واحد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏86‏]‏

‏{‏وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ‏(‏86‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب‏}‏ تقرير لذلك أيضاً أي سيردك إلى معاد كما أنزل إليك القرآن العظيم الشأن وما كنت ترجوه، وقال أبو حيان‏.‏ والطبرسي‏:‏ هو تذكير لنعمته عز وجل عليه عليه الصلاة والسلام وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ‏}‏ على ما ذهب إليه الفراء وجماعة استثناء منقطع أي ولكن ألقاه تعالى إليك رحمة منه عز وجل، وجوز أن يكون استثناءً متصلاً من أعم العلل أو من أعم الأحوال على أن المراد نفي الإلقاء على أبلغ وجه، فيكون المعنى ما ألقى إليك الكتاب لأجل شيء من الأشياء إلا لأجل الترحم أو في حال من الأحوال إلا في حال الترحم ‏{‏فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين‏}‏ أي معيناً لهم على دينهم، قال مقاتل‏:‏ إن كفار مكة دعوه صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائه فذكره الله تعالى نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏87‏]‏

‏{‏وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏87‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ يَصُدُّنَّكَ‏}‏ أي الكافرون ‏{‏عَنْ ءايات الله‏}‏ أي قراءتها والعمل بها‏.‏

‏{‏بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ‏}‏ أي بعد وقت إنزالها وإيحائها إليك المقتضى لنبوتك ومزيد شرفك، وقرأ يعقوب ‏{‏يَصُدُّنَّكَ‏}‏ بالنون الخفيفة وقرىء ‏{‏يَصُدُّنَّكَ‏}‏ مضارع أصد بمعنى صدّ حكاه أبو زيد عن رجل من كلب قال‏:‏ وهي لغة قومه وقال الشاعر‏:‏

أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم *** صدود السواقي عن أنوف الحوائم

‏{‏وادع‏}‏ الناس ‏{‏إلى رَبّكَ‏}‏ إلى عبادته جل وعلا وتوحيده سبحانه ‏{‏وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين‏}‏ بمظاهرتهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏88‏]‏

‏{‏وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏88‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ‏}‏ أي ولا تعبد معه تعالى غيره عز وجل، وهذا وما قبله للتهييج والإلهاب وقطع أطماع المشركين عن مساعدته عليه الصلاة والسلام إياهم وإظهار أن المنهي عنه في القبح والشرية بحيث ينهي عنه من لا يتصور وقوعه منه أصلاف، وروى محيي السنة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال‏:‏ الخطاب في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أهل دينه وهو في معنى ما حكى عنه الطبرسي أن هذا وأمثاله من باب‏:‏

إياك أعني واسمعي يا جاره *** ‏{‏لاَ إله إِلاَّ هُوَ‏}‏ وحده ‏{‏كُلّ شَىْء‏}‏ أي موجود مطلقاً ‏{‏هَالِكٌ‏}‏ أي معدوم محض، والمراد كونه كالمعدوم وفي حكمه ‏{‏إِلاَّ وَجْهَهُ‏}‏ أي إلا ذاته عز وجل وذلك لأن وجود ما سواه سبحانه لكونه ليس ذاتياً بل هو مستند إلى الواجب تعالى في كل آن قابل للعدم وعرضة له فهو كلا وجود وهذا ما اختاره غير واحد من الأجلة، والكلام عليه من قبيل التشبيه البليغ، والوجه بمعنى الذات مجاز مرسل وهو مجاز شائع وقد يختص بما شرف من الذوات، وقد يعتبر ذلك هنا، ويجعل نكتة للعدول عن إلا إياه إلى ما في «النظم الجليل»‏.‏

وفي الآية بناءً على ما هو الأصل من اتصال الاستثناء دليل على صحة إطلاق الشيء عليه جل وعلا‏.‏

وقريب من هذا ما قيل‏:‏ المعنى كل ما يطلق عليه الموجود معدوم في حد ذاته إلا ذاته تعالى، وقيل‏:‏ الوجه بمعنى الذات إلا أن المراد ذات الشيء، وإضافته إلى ضميره تعالى باعتبار أنه مخلوق له سبحانه نظير ما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 116‏]‏ من أن المراد بالنفس الثاني نفس عيسى عليه السلام وإضافته إليه تعالى باعتبار أنه مخلوق له جل وعلا، والمعنى كل شيء قابل للهلاك والعدم إلا الذات من حيث استقبالها لربها ووقوفها في محراب قربها فإنها من تلك الحيثية لا تقبل العدم، وقيل‏:‏ الوجه بمعنى الجهة التي تقصد ويتوجه إليها، والمعنى كل شيء معدوم في حد ذاته إلا الجهة المنسوبة إليه تعالى وهو الوجود الذي صار به موجوداً، وحاصله أن كل جهات الموجود من ذاته وصفاته وأحواله هالكة معدومة في حد ذاتها إلا الوجود الذي هو النور الإلهي، ومن الناس من جعل ضمير وجهه للشيء وفسر الشيء بالموجود بمعنى ما له نسبة إلى حضرة الوجود الحقيقي القائم بذاته وهو عين الواجب سبحانه، وفسر الوجه بهذا الوجود لأن الموجود يتوجه إليه وينسب، والمعنى كل منسوب إلى الوجود معدوم إلا وجهه الذي قصده وتوجه إليه وهو الوجود الحقيقي القائم بذاته الذي هو عين الواجب جل وعلا، ولا يخفى الغث والسمين من هذه الأقوال، وعليها كلها يدخل العرش والكرسي والسموات والأرض والجنة والنار، ونحو ذلك في العموم‏.‏

وقال غير واحد‏:‏ المراد بالهلاك خروج الشيء عن الانتفاع به المقصود منه إما بتفرق أجزائه أو نحوه، والمعنى كل شيء سيهلك ويخرج عن الانتفاع به المقصود منه إلا ذاته عز وجل، والظاهر أنه أراد بالشيء الموجود المطلق لا الموجود وقت النزول فقط فيؤول المعنى إلى قولنا‏:‏ كل موجود في وقت من الأوقات سيهلك بعد وجود إلا ذاته تعالى، فيدل ظاهر الآية على هلاك العرش والجنة والنار والذي دل عليه الدليل عدم هلاك الأخيرين‏.‏

وجاء في الخبر أن الجنة سقفها عرش الرحمن، ولهذا اعترض بهذه الآية على القائلين بوجود الجنة والنار الآن والمنكرين له القائلين بأنهما سيوجدان يوم الجزاء ويستمران أبد الآباد، واختلفوا في الجواب عن ذلك فمنهم من قال‏:‏ إن كلاً ليست للإحاطة بل للتكثير كما في قولك‏:‏ كل الناس جاء إلا زيداً إذا جاء أكثرهم دون زيد، وأيد بما روي عن الضحاك أنه قال في الآية‏:‏ كل شيء هالك إلا الله عز وجل والعرش والجنة والنار، ومنهم من قال‏:‏ إن المراد بالهلاك الموت والعموم باعتبار الإحياء الموجودين في الدنيا، وأيد بما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية‏:‏ كل حي ميت إلا وجهه‏.‏

وأخرج عنه ابن مردويه أنه قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 185‏]‏ قيل يا رسول الله فما بال الملائكة‏؟‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ‏}‏ فبين في هذه الآية فناء الملائكة والثقلين من الجن والإنس وسائر عالم الله تعالى وبريته من الطير والوحوش والسباع والأنعام وكل ذي روح أنه هالك ميت، وأنت تعلم أن تخصيص الشيء بالحي الموجود في الدنيا لا بد له من قرينة فإن اعتبر كونه محكوماً عليه بالهلاك حيث شاع استعماله في الموت وهو إنما يكون في الدنيا قرينة فذاك وإلا فهو كما ترى، ومن الناس من التزم ما يقتضيه ظاهر العموم من أنه كل ما يوجد في وقت من الأوقات في الدنيا والأخرى يصير هالكاً بعد وجوده بناءً على تجدد الجواهر وعدم بقاء شيء منها زمانين كالإعراض عند الأشعري، ولا يخفى بطلانه، وإن ذهب إلى ذلك بعض أكابر الصوفية قدست أسرارهم‏.‏

وقال سفيان الثوري‏:‏ وجهه تعالى العمل الصالح الذي توجه به إليه عز وجل، فقيل‏:‏ في توجيه الاستثناء إن العمل المذكور قد كان في حيز العدم فلما فعله العبد ممتثلاً أمره تعالى أبقاه جل شأنه له إلى أن يجازيه عليه أو أنه بالقبول صار غير قابل للفناء لما أن الجزاء عليه قام مقامه وهو باق، وروي عن أبي عبد الله الرضا رضي الله تعالى عنه أنه ارتضى نحو ذلك، وقال المعنى كل شيء من أعمال العباد هالك وباطل إلا ما أريد به وجهه تعالى، وزعم الخفاجي أن هذا كلام ظاهري‏.‏

وقال أبو عبيدة‏:‏ المراد بالوجه جاهه تعالى الذي جعله في الناس وهو كما ترى لا وجه له، والسلف يقولون الوجه صفة نثبتها لله تعالى ولا نشتغل بكيفيتها ولا بتأويلها بعد تنزيهه عز وجل عن الجارحة ‏{‏لَهُ الحكم‏}‏ أي القضاء النافذ في الخلق ‏{‏وَإِلَيْهِ‏}‏ عز وجل ‏{‏تُرْجَعُونَ‏}‏ عند البعث للجزاء بالحق والعدل لا إلى غيره تعالى ورجوع العباد إليه تعالى عند الصوفية أهل الوحدة بمعنى ما وراء طور العقل‏.‏

وقيل‏:‏ ضمير إليه للحكم، وقرأ عيسى ‏{‏تُرْجَعُونَ‏}‏ مبنياً للفاعل، هذا والكلام من باب الإشارة في آيات هذه السورة أكثره فيما وقفنا عليه من باب تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس ولعله يعلم بأدنى تأمل فيما مر بنا في نظائرها فتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل وهو جل وعلا حسبنا ونعم الوكيل‏.‏

‏[‏سورة العنكبوت‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏الم ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏الم‏}‏ سبق الكلام فيه وفي نظائره ولم يجوز بعضهم هنا ارتباط ما بعده به ارتباطاً أعرابياً لأن الاستفهام مانع منه وبحث فيه بأن اللازم في الاستفهام تصدره في جملته وهو لا ينافي وقوع تلك الجملة خبراً ونحوه كقولك‏:‏ زيد هل قام أبوه‏؟‏ فلو قيل هنا المعنى المتلو عليك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏أَحَسِبَ الناس‏}‏ إلى آخر السورة ثح فلا يقال أيضاً إن المانع منه عدم صحة ارتباطه بما قبله معنى‏.‏ نعم الارتباط خلاف الظاهر، والاستفهام للإنكار، والحسبان مصدر كالغفران مما يتعلق بمضامين الجمل لأنه من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر وذلك للدلالة على وجه ثبوتها في الذهن أو في الخارج من كونا مظنة أو متيقنة فتقتضي مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر أو ما يسد مسدهما وقد سد مسدهما هنا على ما قاله الحوفي‏.‏ وابن عطية‏.‏ وأبو البقاء‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن يُتْرَكُواْ‏}‏ وسد أن المصدرية الناصبة للعفل مع مدخولها مسد الجزأين مما قاله ابن مالك، ونقله عنه الدماميني في شرح التسهيل، وزعم بعضهم أن ذلك إنما هو في أن المفتوحة مشددة ومثقلة مع مدخولها، والترك هنا على ما ذكره الزمخشري بمعنى التصيير المتعدي لمفعولين كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 17‏]‏ وقول الشاعر‏:‏

فتركته جزر السباع ينشنه *** يقضمن قلة رأسه والمعصم

فضمير الجمع نائب مفعول أول والمفعول الثاني متروك بدلالة الحال الآتية أي كما هم أو على ما هم عليه كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 16‏]‏ على ما قدره الزمخشري فيه وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَحَسِبَ الناس أَن‏}‏ بمعنى لأن يقولوا متعلق بيتركوا على أنه غير مستقر، وقوله تعالى‏:‏

‏{‏وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ‏}‏ في موضع الحال من ضمير يتركوا، ويجوز أن لا يعتبر كون المفعول الثاني ليتركوا متروكاً بل تجعل هذه الجملة الحالية سادة مسده، ألا ترى أنك لو قلت‏:‏ علمت ضربي زيداً قائماً صح، على أن ترك ليس كأفعال القلوب في جميع الأحكام، بل القياس أن يجوز الاكتفاء فيه بالحال من غير نظر إلى أنه قائم مقام الثاني لأن قولك‏:‏ تركته وهو جزر السباع كلام صحيح كما تقول أبقيته على هذه الحالة، وهو نظير سمعته يتحدث في أنه يتم بالحال بعده أو الوصف، وههنا زاد أنه يتم أيضاً بما يجري مجرى الخبر، وجوز أن تكون هذه الجملة هي المفعول الثاني لا سادة مسده وتوسط الواو بين المفعولين جائز كما في قوله‏:‏

وصيرني هواك وبي *** لحيني يضرب المثل

وقد نص شارح أبيات المفصل على أنه حكى عن الأخفش أنه كان يجوز كان زيد وأبوه قائم على نقصان كان وجعل الجملة خبراً مع الواو تشبيهاً لخبر كان بالحال فمتى جاز في الخبر عنده فليجز في المفعول الثاني وهو كما نرى، واستظهر الطيبي كون الترك هنا متعدياً لواحد على أنه بمعنى التخلية وليس بذاك، وجوز الحوفي‏.‏ وأبو البقاء أن يكون ‏{‏أَن يَقُولُواْ‏}‏ بدلاً من أن يتركوا وجوز أن يكون ‏{‏أَن يُتْرَكُواْ‏}‏ هو المفعول الأول لحسب و‏{‏هُمْ لاماناتهم يُفْتَنُونَ‏}‏ في موضع الحال من الضمير ‏{‏وَإِن يَقُولُواْ‏}‏ بتقدير اللام هو المفعول الثاني، وكونه علة لا ينافي ذلك كما في قولك‏:‏ حسبت ضربه للتأديب، والتقدير أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم‏:‏ آمنا، والمفعول الثاني ليتركوا متروك بدلالة الحال، واعترضه صاحب التقريب بما حاصله أن الحسبان لتعلقه بمضامين الجمل إذا أنكر يكون باعتبار المفعول الثاني، فإذا قلت‏:‏ أحسبته قائماً‏؟‏ فالمنكر حسبان قيامه، كذلك إذا قيل‏:‏ أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا أفاد إنكار حسبان أن الترك غير مفتونين لهذه العلة بل إنما هو لعلة أخرى ولا يلائم سبب النزول ولا مقصود الآية‏.‏

واختار أن يكون ‏{‏أَن يُتْرَكُواْ‏}‏ ساداً مسد المفعولين و‏{‏أَن يَقُولُواْ‏}‏ علة للحسبان أي أحسبوا لقولهم آمنا أن يتركوا غير مفتونين، وأجيب أن أصل الكلام ألا يفتنون لقولهم آمنا على إنكار أن يكون سبباً لعدم الفتن، ثم قيل‏:‏ أيتركون غير مفتونين لقولهم آمنا مبالغة في إنكار أن يبقوا من غير فتن لذلك ثم أدخل على حسبان الترك مبالغة على مبالغة، وإنما يرد ما أورد إذا لم يلاحظ أصل الكلام ويجعل مصب الإنكار الحسبان من أول الأمر‏.‏

وقيل‏:‏ إنما يلزم ما ذكر لو لم يقدر أحسبوا تركهم غير مفتونين بمجرد قولهم‏:‏ آمنا دون إخلاص وعمل صالح أما لو قدر ذلك استقام كما صرح به الزجاج، على أن ذلك مبني على اعتبار المفهوم، واعترض ذلك بعضهم من حيث اللفظ بأن فيه الفصل بين الحال وذيها بثاني مفعولي حسب وهو أجنبي؛ وأجيب بأن الفصل غير ممتنع بل الأحسن أن لا يقع فصل إلا إذا اعترض ما يوجبه، وههنا الاهتمام بشأن الخبر حسن التقديم لأن مصب الإنكار ذلك، ولا يخفى أنه يحتاج إلى مثل هذا الجواب على ما يقتضيه الظاهر من جعل ‏{‏أَن يُتْرَكُواْ‏}‏ في تأويل مصدر وقع مفعولاً أولاً ‏{‏وَإِن يَقُولُواْ‏}‏ في تأويل مصدر أيضاً مجرور بلام مقدرة والجار والمجرور في موقع المفعول الثاني، وأما على ما ذكره بعض المحققين من أنهما لم يجعلا كذلك وإنما جعل ‏{‏أَن يَقُولُواْ‏}‏ معمولاً ليتركوا بتقدير اللام وجعل ‏{‏أَن يُتْرَكُواْ‏}‏ ساداً مسد المفعولين واقتضى المعنى أن يقال أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا بجعل تركهم مفعولاً أولاً ولقولهم مفعولاً ثانياً فلا يحتاج إليه لأنه إن جرينا مع اللفظ كان ‏{‏أَن يُتْرَكُواْ‏}‏ ساداً مسد المفعولين فلا يكون فيه مفعول ثان فاصل بين الحال وذيها وإن جرينا مع المعنى واعتبرنا الكلام مجرداً عن أن المصدرية وجىء به كما سمعت كانت الحال متصلة بذيها، وقيل‏:‏ يجوز أن يكون المفعول الأول لحسب محذوفاً أي أحسب الناس أنفسهم و‏{‏أَن يُتْرَكُواْ‏}‏ في موضع المفعول الثاني على أنه في تأويل مصدر وهو في تأويل اسم المفعول أي متروكين وهم لا يفتنون في موضع الحال كما تقدم وأن يؤمنوا بتقدير لأن يؤمنوا متعلق بيتركوا فكأنه قيل‏:‏ أحسب الناس أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم آمنا، وقيل‏:‏ إن هذا المعنى حاصل على تقدير سد ‏{‏أَن يُتْرَكُواْ‏}‏ مسد المفعولين فتأمل فيه وفيما قبله، ولعل الأبعد عن التكلف ما ذكرناه أولاف، والمراد إنكار حسبانهم أن يتركوا غير مفتونين بمجرد أن يقولوا آمنا واستبعاد له له وتحقيق أنه تعالى يمتحنهم بمشاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات وفنون المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والراسخ في الدين من المتزلزل فيه فيعامل كل بما يقتضيه ويجازيهم سبحانه بحسب مراتب أعمالهم فءن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في النار‏.‏

وذكر بعضهم أنه سبحانه لو أثاب المؤمن يوم القيامة من غير أن يفتنه في الدنيا لقال الكافر المعذب‏:‏ ربي لو أنك كنت فتنته في الدنيا لكفر مثلي فإيمانه الذي تثيبه عليه مما لا يستحق الثواب له فبالفتنة يلجم الكافر عن مثل هذا القول ويعوض المؤمن بدلها ما يعوض بحيث يتمنى لو كانت فتنته أعظم مما كانت والآية على ما أخرج عبد بن حميد‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم عن الشعبي نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لما نزلت آية الهجرة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردوهم فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا إليهم أنزلت فيكم آية كذا وكذا فقالوا‏:‏ نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزل الله تعالى فيهم ‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جاهدوا وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 110‏]‏‏.‏

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال سمعت ابن عمير وغيره يقولون‏:‏ كان أبو جهل يعذب عمار بن ياسر وأمه ويجعل على عمار درعاً من حديد في اليوم الصائف وطعن في فرج أمه برمح ففي ذلك نزلت ‏{‏أَحَسِبَ الناس‏}‏ الخ، وقيل‏:‏ نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب قتل ببدر فجزع عليه أبواه وامرأته وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة»، وقيل‏:‏ نزلت في عياش أخي أبي جهل غدر وعذب ليرتد كما سيأتي خبره إن شاء الله تعالى، وفسر الناس بمن نزلت فيهم الآية، وقال الحسن الناس هنا المنافقون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ حال من الناس أو من ضمير ‏{‏يفتنون‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 2‏]‏، وعلى الأول يكون علة لإنكار الحسبان أي أحسبوا ذلك وقد علموا أن سنة الله تعالى على خلافه ولن تجد لسنة الله تعالى تبديلاً، وعلى الثاني بياناً لأنه لا وجه لتخصيصهم بعدم الافتتان، وحاصله أنه على الأول تنبيه على الخطأ، وعلى الثاني تخطئة، والمراد بالذين من قبلهم المؤمنون أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصابهم من ضروب الفتن والمحن ما أصابهم فصبروا وعضوا على دينهم بالنواجذ كما يعرب عنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا استكانوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 146‏]‏ الآيات‏.‏

وروى البخاري‏.‏ وأبو داود‏.‏ والنسائي عن خباب بن الأرث قال‏:‏ «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد لقينا من المشركين شدة فقلنا‏:‏ ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا‏؟‏ فقال‏:‏ قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدقه ذلك عن دينه ‏{‏فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ‏}‏ أي في قولهم آمنا ‏{‏وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين‏}‏ في ذلك؛ والفاء لترتيب ما بعدها على ما يفصح عنه ما قبلها من وقوع الامتحان، واللام واقعة في جواب القسم، والالتفات إلى الاسم الجليل لإدخال الروعة وتربية المهابة، وتكرير الجواب لزيادة التأكيد والتقرير، ويتوهم من الآية حدوث علمه تعالى بالحوادث وهو باطل‏.‏ وأجيب بأن الحادث تعلق علمه تعالى بالمعدوم بعد حدوثه، وقال ابن المنير‏:‏ الحق أن علم الله تعالى واحد يتعلق بالموجود زمان وجوده وقبله وبعده على ما هو عليه، وفائدة ذكر العلم ههنا وإن كان سابقاً على وجود المعلوم التنبيه بالسبب على المسبب وهو الجزاء فكأنه قيل‏:‏ فوالله ليعلمن بما يشبه الامتحان والاختبار الذين صدقوا في الإيمان الذي أظهروه والذين هم كاذبون فيه مستمرون على الكذب فليجازين كلاً بحسب علمه فيه، وفي معناه ما قاله ابن جني‏:‏ من أنه من إقامة السبب مقام المسبب، والغرض فيه ليكافئن الله تعالى الذين صدقوا وليكافئن الكاذبين وذلك أن المكافأة على الشيء إنما هي مسببة عن علم، وقال محيي السنة‏:‏ أي فليظهرن الله تعالى الصادقين من الكاذبين حتى يوجد معلوماً لأن الله تعالى عالم بهم قبل الاختبار‏.‏

وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ وجعفر بن محمد‏.‏ والزهري رضي الله تعالى عنهم ‏{‏فَلَيَعْلَمَنَّ‏}‏ بضم الياء وكسر اللام على أنه مضارع أعلم المنقولة بهمزة التعدية من علم المتعدية إلى واحد وهي التي بمعنى عرف فيكون الفعل على هذه القراءة متعدياً لاثنين والثاني هنا محذوف أي فليعلمن الله الذين صدقوا منازلهم من الثواب وليعلمن الكاذبين منازلهم من العقاب وذلك في الآخرة، أو الأول محذوف أي فليعلمن الله الناس الذين صدقوا وليعلمنهم الكاذبين أي يشهدهم هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر، والظاهر أن ذلك في الآخرة أيضاً، وقال أبو حيان‏:‏ في الدنيا والآخرة، وجوز أن يكون ذلك من الإعلام وهو وضع العلامة والسمة فيتعدى لواحد أي يسمهم بعلامة يعرفون بها يوم القيامة كبياض الوجوه وسوادها، وقيل‏:‏ يسمهم سبحانه بعلامة يعرفون بها في الدنيا كقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ من أسر سريرة ألبسه الله تعالى رداءها ‏"‏

وقرأ الزهري الفعل الأول كما قرأ الجماعة، والفعل الثاني كما قرأ علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ وجعفر‏.‏ والزهري رضي الله تعالى عنهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن *يَسْبِقُونَا‏}‏ قال مجاهد‏:‏ أي يعجزونا فلا نقدر على مجازاتهم على أعمالهم والانتقام منهم وأصل السبق الفوت، ثم أريد منه ما ذكر‏.‏ وقيل‏:‏ أي يعجلونا محتوم القضاء، والأول أولى‏.‏

وفسر قتادة على ما أخرجه عنه عبد بن حميد‏.‏ وابن جرير ‏{‏السيئات‏}‏ بالشرك والجمع باعتبار تعدد المتصفين به وإطلاق العمل على الشرك سواء قلنا إنه ما كان عن فكر وروية كما قيل‏:‏ أو عن قصد كما قال الراغب‏:‏ أم لا لا ضير فيه لأنه يكون بعبادة الأصنام وغيرها، وقيل‏:‏ المراد بالسيئات المعاصي غير الكفر فالآية في المؤمنين قطعاً، وهم وإن لم يحسبوا أن يفوتوه تعالى ولم تطمع نفوسهم في ذلك لكن نزل جريهم على غير موجب العلم وهو غفلتهم وإصرارهم على المعاصي منزلة من لم يتيقن الجزاء، ويحسب أنه يفوت الله عز وجل‏.‏

وعمم بعضهم فحمل السيئات على الكفر والمعاصي، وتعليق العمل بها بناءً على تسليم تخصيصه بما سمعت يحتمل أن يكون باعتبار التغليب، وظاهر الآثار يدل على أن هذه الآية نزلت في شأن الكفرة، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال‏:‏ يريد سبحانه بالذين يعملون السيئات الوليد بن المغيرة‏.‏ وأبا جهل‏.‏ والأسود‏.‏ والعاصي بن هشام‏.‏ وشيبة‏.‏ وعتبة‏.‏ والوليد بن عتبة‏.‏ وعتبة بن أبي معيط‏.‏ وحنظلة بن وائل وأنظارهم من صناديد قريش، وفي «البحر» أن الآية وإن نزلت على سبب فهي تعم جميع من يعمل السيئات من كافر ومسلم، والظاهر أن ‏{‏أَمْ‏}‏ منقطعة بمعنى بل التي للإضراب بمعنى الانتقال وهو انتقال من إنكار حسبان عدم الفتن لمجرد الإيمان إلى إنكار حسبان عدم المجازاة على عمل السيئات‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ ‏{‏أَمْ‏}‏ معادلة للهمزة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَحَسِبَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 2‏]‏ وكأنه سبحانه قرر الفريقين، قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرين الذين يعملون السيئات في تعذيب المؤمنين وغير ذلك على ظنهم أنهم يسبقون نقمات الله تعالى ويعجزونه انتهى‏.‏ ورد بأنها لو كانت معادلة للهمزة لكانت متصلة والتالي باطل لأن شرط المتصلة أن يكون ما بعدها مفرداً نحو أزيد قائم أم عمرو أو ما هو في تقدير المفرد نحو أقام زيد أم قعد وجوابها تعيين أحد الشيئين أو الأشياء وبعدها هنا جملة؛ ولا يمكن الجواب هنا أيضاً بأحد الشيئين فالحق أنها منقطعة والاستفهام الذي تشعر به إنكاري لا يحتاج للجواب كما لا يخفى، والظاهر أن الحسبان متعد إلى مفعولين وأنَّ ‏{‏أَن يَسْبِقُونَا‏}‏ ساد مسدهما‏.‏

وجوز الزمخشري هنا أن يضمن معنى التقدير فيكون متعدياً لواحد وإن يسبقونا هو ذلك الواحد، وتعقبه أبو حيان بأن التضمين ليس بقياس ولا يصار إليه إلا عند الحاجة إليه ‏{‏سَاء مَا يَحْكُمُونَ‏}‏ أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك على أن ساء بمعنى بئس و‏{‏مَا‏}‏ موصولة و‏{‏يَحْكُمُونَ‏}‏ صلتها، والعائد محذوف وهي فاعل ساء، والمخصوص بالذم محذوف أو بئس حكماً يحكمونه حكمهم ذلك على أن ما موصوفة ويحكمون صفتها والرابط محذوف وهي تمييز وفاعل ساء ضمير مفسر بالتمييز والمخصوص محذوف أيضاً‏.‏

وقال ابن كيسان‏:‏ ‏{‏مَا‏}‏ مصدرية، والمصدر المؤول مخصوص بالذم فالتمييز محذوف، وجوز كون ساء بمعنى قبح وما إما مصدرية أو موصولة أو موصوفة، والمضارع للاستمرار إشارة إلى أن دأبهم ذلك أو هو واقع موقع الماضي لرعاية الفاصلة وكلا الوجهين حكاهما في البحر، والأول أولى، وعندي أن مثل هذا لا يقال‏:‏ إلا في حق الكفرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله‏}‏ أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال‏:‏ أي من كان يخشى البعث في الآخرة فالرجاء بمعنى الخوف كما في قول الهذلي في وصف عسال‏:‏

إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها *** وخالفها في بيت نوب عوامل

ولعل إرادة البعث من لقائه عز وجل لأنه من مباديه، وقيل‏:‏ لعل جعل لقاء الله تعالى عبارة عن الوصول إلى العاقبة إلا أنه لما كان البعث من أعظم ما يتوقف ذلك عليه خصه بالذكر، وفي «الكشاف» أن لقاء الله تعالى مثل للوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت والبعث والحساب والجزاء، مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل؛ وقد اطلع مولاه على ما كان يأتي ويذر فأما أن يلقاه ببشر وترحيب لما رضي من أفعاله أو بضد ذلك لما سخطه منها، فمعنى ‏{‏مَن كَانَ‏}‏ الخ من كان يأمل تلك الحال وإن يلقى فيها الكرامة من الله تعالى والبشرى، فالكلام عنده من باب التمثيل والرجاء بمعنى الأمل والتوقع‏.‏

وجوز أن يكون بمعنى ذلك إلا أن الكلام بتقدير مضاف أي من كان يتوقع ملاقاة جزاء الله تعالى ثواباً أو عقاباً أو ملاقاة حكمه عز وجل يوم القيامة وأن يكون بمعنى الخوف، والمضاف محذوف أيضاً أي من كان يخاف ملاقاة عقاب الله تعالى، وأن يكون بمعنى ظن حصول ما فيه مسرة وتوقعه كما هو المشهور، والمضاف كذلك أيضاً، أي من كان يرجو ملاقاة ثواب الله تعالى، ويجوز أن لا يقدر مضاف، ويجعل لقاء الله تعالى مجازاً عن الثواب لما أنه لازم له‏.‏

واختار بعضهم أن الرجاء بمعناه المشهور وأن لقاء الله تعالى مشاهدته سبحانه على الوجه اللائق به عز وجل كما يقوله أهل السنة والجماعة إذ لا حاجة للخروج عن الظاهر من غير ضرورة وما حسبه المعتزلي منها فليس منها كما بين في علم الكلام أي من كان يتوقع مشاهدة الله تعالى يوم القيامة التي لا نعيم يعدلها ويلزمها الفوز بكل خير ونعيم ‏{‏فَإِنَّ أَجَلَ الله‏}‏ الأجل غاية لزمان ممتد عينت لأمر من الأمور، وقد يطلق على كل ذلك الزمان، والأول أشهر في الاستعمال أي فإن الوقت الذي عينه جل شأنه لذلك ‏{‏لأَتٍ‏}‏ لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه لأن أجزاء الزمان على التقضي والتصرم دائماً، ومجيء ذلك الوقت كناية عن إتيان ما فيه ووقوعه، والجملة الاسمية قائمة مقام جواب الشرط وهي في الحقيقة دليل الجواب المحذوف أي فليبادر ما ينفقه من امتثال الأوامر واجتناب المناهي أو فليبادر ما يحقق أمله ويصدق رجاءه أو نحوه ذلك مما يلائم الشرط فتدبر‏.‏

وقيل‏:‏ يجوز أن تكون هي الجواب على أن المراد بها المعنى الملائم للشرط كما ذكر ‏{‏وَهُوَ السميع‏}‏ جل شأنه لأقوال العباد ‏{‏العليم‏}‏ بأحوالهم من الأعمال الظاهرة والعقائد والصفات الباطنة، والجملة تذييل لتحقيق حصول المرجو والمخوف وعداً ووعيداً ‏{‏وَمِنْ جاهد‏}‏ في طاعة الله عز وجل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِنَّمَا يجاهد لِنَفْسِهِ‏}‏ لعود المنفعة من الثواب المعد لذلك إليها ‏{‏إِنَّ الله لَغَنِىٌّ عَنِ العالمين‏}‏ فلا حاجة له إلى طاعتهم وإنما أمرهم سبحانه بها تعريضاً لهم للثواب بموجب رحمته وحكمته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ‏}‏ الكفر الأصلي أو العارضي بالايمان والمعاصي بما يتبعها من الطاعات ‏{‏وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ أي أحسن جزاء أعمالهم والجزاء الحسن أن يجازي بحسنة حسنة، وأحسن الجزء أن تجازي الحسنة الواحدة بالعشر وزيادة، وقيل‏:‏ لو قدر لنجزينهم بأحسن أعمالهم أو جزاء أحسن أعمالهم لإخراج المباح جاز‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً‏}‏ أي أمرناه بتعهدهما ومراعاتهما، وانتصب حسناً على أنه وصف لمصدر محذوف أي إيصاء حسناً أي ذا حسن أو هو في حد ذاته حسن لفرط حسنه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 83‏]‏ وهذا ما اختاره أبو حيان ولا يخلو عن حسن، وقال الزمخشري حسناً مفعول به لمصدر محذوف مضاف إلى والديه أي وصيناه بإيتاء والديه أو بإيلاء والديه حسناً، وفيه إعمال المصدر محذوفاً وإبقاء عمله وهو لا يجوز عند البصريين، وجوز أن يكون حسناً مصدراً لفعل محذوف أي أحسن حسناً، والجملة في موضع المفعول لوصي لتضمنه معنى القول، وهذا على مذهب الكوفيين القائلين بأن ما يتضمن معنى القول يجوز أن يعمل في الجمل من غير تقدير للقول، وعند البصريين يقدر القول في مثل ذلك وعليه يجوز أن يكون مفعولاً به لفعل محذوف والجملة مقول القول وجملة القول مفسرة للتوصية أي قلنا أولهما أو افعل بهما حسناً، وعلى هذا يحسن الوقف على بوالديه لاستئناف الجملة بعده، ورجح تقدير الأمر بأنه أوفق لما بعده من الخطاب والنهي الذي هو أخوه لكن ضعف ما فيه كثرة تقدير بكثرة التقدير، ونقل ابن عطية عن الكوفيين أنهم يجعلون حسناً مفعولاً لفعل محذوف ويقدرون أن يفعل حسناً، وفيه حذف أن وصلتها وإبقاء المعمول وهو لا يجوز عند البصريين، وقيل‏:‏ إن حسناً منصوب بنزع الخافض وبوالديه متعلق بوصينا والباء فيه بمعنى في أي وصينا الإنسان في أمر والديه بحسن وهو كما ترى، وقرأ عيسى‏.‏ والجحدري ‏{‏حَسَنًا‏}‏ بفتحتين وفي مصحف أبي إحساناً ‏{‏وَإِن جاهداك لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا‏}‏ عطف على ما قبله ولا بد من إضمار القول إن لم يضمر قبل أي وقلنا‏:‏ إن جاهداك الخ لئلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر لأن الجملة الشرطية إذ كان جوابها إنشاء فهي إنشائية كما صرحوا به فإذا لم يضمر القول لا يليق عطفها على وصينا لما ذكر ولا على ما عمل فيه لكونه في معنى القول وهو أحسن وإن توافقاً في الإنشائية لأنه ليس من الوصية بالوالدين لأنه منه يعن مطاوعتهما، وأما عطفه على قلنا المفسر للتوصية فلا يضر لما فيه من تقييدها بعدم الإفضاء إلى المعصية مآلاً فكأنه قيل‏:‏ أحسن إليهما وأطعهما ما لم يأمراك بمعصية فتأمل، والظاهر الذي يقتضيه المقام أن ‏{‏مَا‏}‏ عام لما سواه تعالى شأنه وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بِهِ‏}‏ على حذف مضاف أي ما ليس لك بإلهيته علم، وتنكير علم للتحقير‏.‏

والمراد لتشرك بي شيئاً لا يصح أن يكون إلهاً ولا يستقيم، وفي العدول عنه إلى ما في النظم الجليل إيذان بأن ما لا يعلم صحته ولو إجمالاً كما في التقليد لا يجوز اتباعه وإن لم يعلم بطلانه فكيف بما علم على أتم وجه بطلانه، وجعل العلامة الطيبي نفي العلم كناية عن نفي المعلوم، وعلل ذلك بأن هذا الأسلوب يستعمل غالباً في حق الله تعالى نحو أتعلمون الله بما لا يعلم ثم قال‏:‏ وفيه إشارة إلى أن نفي الشرك من العلوم الضرورية وأن الفطرة السليمة مجبولة عليه على ما ورد

«كل مولود يولد على الفطرة» وذلك أن المخاطب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَوَصَّيْنَا الإنسان‏}‏ جنس الإنسان انتهى، وفيه بحث‏.‏ ومتعلق تطعهما محذوف لوضوح دلالة الكلام عليه أي وإن استفرغا جهدهما في تكليفك لتشرك بي غيري مما لا إلهية له فلا تطعهما في ذلك فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وفي تعليق النهي عن طاعتهما بمجاهدتهما في التكليف إشعار بأن موجب النهي فيما دونها من التكليف ثابت بطريق الأولوية وكذا موجبه في مجاهدة أحدهما ‏{‏إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ‏}‏ أي مرجع من آمن منكم ومن أشرك ومن بر ومن عق والجملة مقررة لما قبلها ولذا لم تعطف ‏{‏فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ بأن أجازي كلاً منكم بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وذلك أنه رضي الله تعالى عنه حين أسلم قالت أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس‏:‏ يا سعد بلغني أنك صبأت فوالله تعالى لا يظلني سقف بيت من الضح والريح وأن الطعام والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وكان أحب ولدها إليها فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه فنزلت هذه الآية والتي في لقمان والتي في الأحقاف فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يداريها ويترضاها بالإحسان‏.‏

وروى أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وذلك أنه هاجر مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما متوافقين حتى نزلا المدينة فخرج أبو جعل بن هشام والحرث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة امرأة من بني تميم من بني حنظلة فنزلا بعياش وقالا له‏:‏ إن من دين محمد صلة الأرحام وبر الوالدين وقد تركت أمك لا تطعم ولا تشرب ولا تأوى بيتاً حتى تراك وهي أشد حباً لك منا فأخرج معنا وفتلا منه في الذروة والغارب فاستشار عمر رضي الله تعالى عنه فقال هما يخدعانك ولك على أن أقسم مالي بيني وبينك فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر رضي الله تعالى عنه فقال عمر رضي الله تعالى عنه‏:‏ أما إذا عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها فإن رابك منهم ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل‏:‏ إن ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها فإن رابك منهم ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل‏:‏ إن ناقتي قد كلت فاحملني معك، قال‏:‏ نعم‏.‏ فنزل ليوطىء لنفسه وله فأخذاه فشداه وثاقاً وجلده كل واحد مائة جلدة وذهبا به إلى أمه، فقالت‏:‏ لا تزال بعذاب حتى ترجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم فنزلت‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى الصالحين‏}‏ أي في زمرة الراسخين في الصلاح الكاملين فيه، والصلاح ضد الفساد وهو جامع لكل خير، وله مراتب غير متناهية ومرتبة الكمال فيه مرتبة عليا، ولذا طلبها الأنبياء عليهم السلام كما قال سليمان عليه السلام ‏{‏وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 19‏]‏ ويحامل أن يكن الكلام بتقدير مضاف أي في مدخل الصالحين وهي الجنة، والموصول مبتدأ ولندخلنهم الخبر على ما ذكره أبو البقاء، وجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير لندخلن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنَ الناس‏}‏ أي بعضهم ‏{‏مَن يِقُولُ ءامَنَّا بالله فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله‏}‏ أي لأجله عز وجل على أن في للسببية، أو المراد في سبيل الله تعالى بأن عذبهم المشركون على الايمان به تعالى‏:‏ ‏{‏جَعَلَ فِتْنَةَ الناس‏}‏ أي نزلوا ما يصيبهم من أذيتهم ‏{‏كَعَذَابِ الله‏}‏ أي منزلة عذابه تعالى في الآخرة فجزعوا من ذلك ولم يصبروا عليه وأطاعوا الناس وكفروا بالله تعالى كما يطيع الله تعالى من يخاف عذابه سبحانه فيؤمن به عز وجل‏.‏

‏{‏وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ‏}‏ بأن حصل للمؤمنين فتح وغنيمة ‏{‏لَّيَقُولَنَّ‏}‏ بضم اللام الثانية وحذف ضمير الجمع للالتقاء الساكنين، وهذا الضمير عائد إلى من والجمع بالنظر إلى معناها، كماأن إبراد الضمائر العائدة إليها فيما سبق بالنظر إلى لفظها، وحكى أبو معاذ النحوي أنه قرىء ‏{‏لَّيَقُولَنَّ‏}‏ بفتح اللام على إفراد الضمير كما فيما سبق ‏{‏إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ‏}‏ أي مشايعين لكم في الدين فأشركونا فيما حصل من الغنيمة، وقيل‏:‏ أي مقاتلين معكم ناصرين لكم فالمراد الصحبة في القتال‏.‏ ورد بأنها غير واقعة، والآية في ناس من ضعفة المسلمين كانوا إذا مسهم أذى من الكفار وافقوهم وكانوا يكتمونه من المسلمين وبذلك يكونون منافقين، ولذا قال ابن زيد‏.‏ والسدي‏:‏ إن الآية في المنافقين فرد الله تعالى عليهم ذلك بقوله سبحانه‏:‏

‏{‏أَوَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ العالمين‏}‏ وهو في الظاهر عطف على مقدر أي أيخفى حالهم وليس الخ أو أليس المتفرسون الذين ينظرون بنور الله تعالى بأحوالهم عالمين وليس الخ، و‏{‏أَعْلَمُ‏}‏ إما على أصله أي أليس هو عز وجل أعلم من العالمين بما في صدور العالمين من الأخلاق والنفاق حتى يفعلوا ما يفعلون من الارتداد والإخفاء عن المسلمين وادعاء كونهم منهم لنيل الغنيمة أو هو بمعنى عالم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ نزلت فيمن هاجر فردهم المشركون إلى مكة، وقيل‏:‏ نزلت في ن سمؤمنين أخرجهم المشركون إلى بدر فارتدوا وهم الذين قال الله تعالى فيهم ‏{‏وَأَنَّ الذين توفاهم الملئكة ظالمى أَنفُسِهِمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 97‏]‏ الآية، وما تقدم هو الأوفق لما سبق من الآية وما لحق من قوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين ءامَنُواْ‏}‏ بالإخلاص ‏{‏وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين‏}‏ سواء كان كفرهم بأذية أو لا، والمراد بالعلم المجازاة أي ليجزينهم بما لهم من الايمان والنفاق، وكأن تلوين الخطاب في الذين آمنوا والمنافقين لرعاية الفواصل، والظاهر أن الآية بناء على أن النفاق ظهر في المدينة مدنية، وهو يؤيد ما تقدم من عدها من المستثنيات، ولعل من يقول إنها مكية لظاهر إطلاق جمع القول بمكية السورة، وأن تعذيب الكفرة المسلمين إنما كان في الأغلب بمكة يمنع ذلك أو يذهب إلى أنها من الأخبار بالغيب فتدبر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ‏}‏ بيان لحملهم المؤمنين على الكفر بالاستمالة بعد بيان حملهم إياهم عليه بالأذية والوعيد، ووصفهم بالكفر ههنا دون ما سبق لما أن مساق الكلام لبيان جنايتهم وفيما سبق لبيان جناية من أضلوه، واللام للتبليغ أي قالوا مخاطبين لهم ‏{‏اتبعوا سَبِيلَنَا‏}‏ أي اسلكوا طريقتنا التي نسلكها في الدين، عبر عن ذلك بالاتباع الذي هو المشي خلف ماش آخر تنزيلاً للمسلك منزلة السالك فيه أو اتبعونا في طريقتنا ‏{‏وَلْنَحْمِلْ خطاياكم‏}‏ أي إذا كان ذلك الاتباع خطيئة يؤاخذ عليها يوم القيامة كما تقولون أو ولنحمل ما عليكم من الخطايا إن كان بعث ومؤاخذة، وإنما أمروا أنفسهم بالحمل عاطفين له على الأمر بالاتباع للمبالغة في تعليق الحمل بالاتباع، فكأن أصل الكلام اتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم بجزم نحمل على أنه جواب الأمر، فيكون المعنى إن تتبعوا نحمل فعدل عنه إلى ما في النظم الجليل للمبالغة المذكورة، ومنشؤها الإشارة إلى أن الحمل لتحققه كأنه أمر واجب أمروا به من آمر مطاع، والعليق على الشرط الذي تضمنه الأمر كما في قولهم‏:‏ أكرمني أنفعك لا يفيد ذلك، والداعي لهم إلى المبالغة التشجيع على الاتباع، والحمل هنا مجاز، وفي «البحر» شبه القيام بما يتحصل من عواقب الإثم بالحمل على الظهر والخطايا بالمحمول، وقال مجاهد‏:‏ الحمل هنا من الحمالة لا من الحمل انتهى‏.‏

والآية على ما أخرج جماعة عن مجاهد نزلت في كفار قريش قالوا لمن آمن منهم‏:‏ لانبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا فإن كان عليكم شيء فعلينا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة‏.‏ وابن المنذر عن ابن الحنفية قال كان أبو جعل وصناديد قريش يتلقون الناس إذا جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون يقولون‏:‏ إنه يحرم الخمر ويخرم الزنا ما كانت تصنع العرب فارجعوا فنحن نحمل أوزاركم فنزلت هذه الآية، وقيل‏:‏ قائل ذلك أبو سفيان بن حرب‏.‏ وأمية بنت خلف قالا لعمر رضي الله تعالى عنه‏:‏ إن كان في الإقامة على دين الآباء إثم فنحن نحمله عندك‏.‏

وقيل‏:‏ قائله الوليد بن المغيرة، ونسبة ما صدر عن الواحد للجمع شائعة، وقد تقدم الكلام غير مرة في وجه ذلك، وقرأ الحسن‏.‏ وعيسى‏.‏ ونوح القارىء ‏{‏وَلْنَحْمِلْ‏}‏ بكسر لام الأمر، ورويت عن علي كرم الله تعالى وجهه‏:‏ ‏{‏وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مّن شَىْء‏}‏ نفي مؤكد عن سبيل الاستمرار لكونهم حاملين شيئاً ما من خطاياهم التي التزموا حملها، فالباء زائدة لتأكيد النفي والاستمرار الذي تفيده الجملة الاسمية معتبر بعد النفي، ومن الأولى للبيان وهو مقدم من تأخير، ومن الثانية مزيدة لتأكيد الاستغراق، وهذه الجملة اعتراض أو حال‏.‏

وقرأ داود بن أبي هند فيما ذكر أبو الفضل الرازي ‏{‏مِنْ خطيئاتهم‏}‏ على التوحيد قال‏:‏ ومعناه الجنس، ودل على ذلك اتصافه بضمير الجماعة، وذكر ابن خالويه‏.‏ وأبو عمرو الداني أن داود هذا قرأ ‏{‏مِنْ خطيئاتهم‏}‏ جمع خطيئة جمع السلامة بالألف والتاء، وذكر ابن عطية عنه أنه قرأ من ‏{‏خطاياهم‏}‏ بفتح الطاء وكسر الياء، وينبغي أن يحمل كسر الياء على أنها همزة سهلت بين بين فأشبهت الياء لأن قياس تسهيلها هو ذلك، وقوله تعالى‏:‏

‏{‏إِنَّهُمْ لكاذبون‏}‏ استئنا فمقرر للنفي السابق، والكذب قيل راجع إلى تعليق الحمل بالاتباع فإنه اخبار لا إلى الأمر السابق لأنه إنشاء ولا يجري الكذب فيه، وتعقب بأن التعليق لا يلزمه أن يكون أخبار بل هو ضمان معلق أي إنشاء الضمان عند وجود الصفة، ولذا قال الزمخشري‏:‏ إن ضامن ما لا يعلم اقتداره على الوفاء به لا يسمى كاذباً لا حين ضمن ولا حين عجز لأنه في الحالين لا يدخل تحت حد الكاذب وهو المخبر عن الشيء لا على ما هو عليه، وجعل هذا سؤالا عن وجه التعبير بكاذبون، وأجاب عن ذلك بوجهين، ثانيهما على ما في «الكشف» هو الوجه، وحاصله أن الكذب ليس راجعاً إلى أنهم غير حاملين ليقال‏:‏ إن الضامن لا يسمى كاذباً بل أخبر الله تعالى أنهم عجز عما ضمنوه ومع ذلك هم كاذبون في وعد إنشاء الضمان عند وجود الوصف، والمحصل أن من وعد الضمان إن ضمن ولم يحقق لا يسمى كاذباً وإن لم يضمن سمي كاذباً، وأولهما أنه شبه الله تعالى حالهم حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به فكان ضمانهم عنده سبحانه لا على ما هو عليه المضمون بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه المخبر عنه‏.‏

وقال بعض المحققين‏:‏ الكذب راجع إلى الخبر الذي في ضمن وعدهم بالحمل وهم أنهم قادرون على إنجاز ما وعدوا، والكذب كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه يتطرق إليه باعتبار ما يلزم مدلوله، وفي الانتصاف أن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ لكاذبون‏}‏ نكتبة حسنة يستدل بها على صحة مجيء الأمر بمعنى الخبر فإن من الناس من أنكره والتزم تخريج جميع ما ورد في ذلك على أصل الأمر ولم يتم له ذلك في هذه الآية لأنه سبحانه أردف قولهم ‏{‏وَلْنَحْمِلْ خطاياكم‏}‏ على صيغة الأمر بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ لكاذبون‏}‏ والتكذيب إنما يتطرق إلى الأخبار انتهى، ويعلم منه وجه كونهم كاذبين في قولهم ذلك مع إخراجهم له مخرج الأمر إلا أن في كون الآية دليلاً على ما ذكره نظراً كما لا يخفى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ‏}‏ بيان لما يستتبعه قولهم ذلك في الآخرة من المضرة لأنفسهم بعد بيان عدم منفعته لمخاطبيهم أصلاً، والتعبير عن الخطايا بالأثقال للإيذان بغاية ثقلها وكونها فادحة، واللام واقعة في جواب قسم محذوف أي وبالله ليحملن أثقال أنفسهم كاملة ‏{‏وَأَثْقَالاً‏}‏ أخر ‏{‏مَّعَ أَثْقَالِهِمْ‏}‏ وهي أثقال ما تسببوا بالإضلال والحمل على الكفر والمعاصي من غير أن ينقص من أثقال من أضلوه شيء ما‏.‏ فقد أخرج عبد بن حمي‏.‏ د وابن المنذر عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أيما داع دعا إلى هدي فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليها وعمل بها فعليه مثل أوزار الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً» قال عون‏:‏ وكان الحسن يقرأ عليها وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم، وللإشارة إلى استقلال أثقال أنفسهم وأنها نهضتهم واستفرغت جهدهم وأن الأثقال الأخر كالعلاوة عليها اختير ما في النظم الجليل على أن يقال وليحملن أثقالاً مع أثقالهم‏.‏

‏{‏وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ القيامة‏}‏ سؤال تقريع وتبكيت ‏{‏عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ‏}‏ أي يختلقونه في الدنيا من الأكاذيب والأباطيل التي من جملتها كذبهم هذا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً‏}‏ شروع في بيان إفتتان الأنبياء عليهم السلام بأذية أممهم إثر بيان افتتان المؤمنين بأذية الكفار تأكيداً للإنكار على الذين يحسبون أن يتركوا بمجرد الايمان بلا ابتلاء وحثا لهم على الصبر فإن الأنبياء عليهم السلام حيث ابتلوا بما أصابهم من جهة أممهم من فنون المكاره وصبروا عليها فلأن يصير هؤلاء لمؤمنون أولى وأحرى، والظاهر أن الواو للعطف وهو من عطف القصة على القصة، قال ابن عطية‏:‏ والقسم فيها بعيد يعني أن يكون المقسم به قد حذف وبقي حرفه وجوابه فإن فيه حذف المجرور وإبقاء الجار، وهم قالوا‏:‏ لا بد من ذكر المجرور، والفاء للتعقيب فالمتبادر أنه عليه السلام لبث في قومه عقيب الإرسال المدة المذكورة وقد جاء مصرحاً به في بعض الآثار‏.‏

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ وابن مردويه‏.‏ والحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ بعث الله تعالى نوحاً عليه السلام وهو ابن أربعين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله تعالى وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا، وعلى هذه الرواية يكون عمره عليه السلام ألف سنة وخمسين سنة، وقيل‏:‏ إنه عليه السلام عمر أكثر من ذلك، أخرج ابن جرير عن عون بن أبي شداد قال‏:‏ إن الله تعالى أرسل نوحاً عليه السلام إلى قومه وهو ابن خمسين وثلثمائة سنة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلثمائة سنة فيكون عمره ألف سنة وستمائة وخمسين سنة، وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ كان عمر نوح عليه السلام قبل أن يبعث إلى قومه وبعدما بعث ألفاً وسبعمائة سنة، وعن وهب أنه عليه السلام عاش ألفاً وأربعمائة سنة، وفي «جامع الأصول» كانت مدة نبوته تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الغرق خمسين سنة، وقيل‏:‏ مائتي سنة وكانت مدة الطوفان ستة أشهر آخرها يوم عاشوراء‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ يحتمل أن يكون ما ذكر الله عز وجل مدة إقامته عليه السلام من لدن مولده إلى غرق قومه، وقيل‏:‏ يحتمل أن يكون ذلك جميع عمره عليه السلام، ولا يخفى أن المتبادر من الفاء التعقيبية ما تقدم، وجاء في بعض الآثار أنه عليه السلام أطول الأنبياء عليهم السلام عمراً، أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا عن أنس بن مالك قال‏:‏ جاء ملك الموت إلى نوح عليهما السلام فقال‏:‏ يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا ولذتها‏؟‏ قال‏:‏ كرجل دخل بيتاً له بابان فقال وسط الباب هنيهة ثم خرج من الباب الآخر، ولعل ما عليه النظم الكريم في بيان مدة لبثه عليه السلام للدلالة على كمال العدد وكونه متعيناً نصاً دون تجوز فإن تسعمائة وخمسين قد يطلق على ما يقرب منه ولما في ذكر الألف من تخييل طول المدة لأنها أول ما تقرع السمع فإن المقصود من القصة تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيته على ما كان عليه من مكابدة ما يناله من الكفرة وإظهار ركاكة رأي الذين يحسبون أنهم يتركون بلا ابتلاء، واختلاف المميزين لما في التكرير في مثل هذا الكلام من البشاعة، والنكتة في اختيار السنة أولاً أنها تطلق على الشدة والجدب بخلاف العام فناسب اختيار السنة لزمان الدعوة الذي قاسى عليه السلام فيه ما قاسي من قومه ‏{‏فَأَخَذَهُمُ الطوفان‏}‏ أي عقيب تمام المدة المذكورة، والطوفان قد يطلق على كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة من السيل والريح والظلام قال العجاج‏:‏

حتى إذا ما يومها تصبصبا *** وغم طوفان الظلام إلا ثأبا

وقد غلب على طوفان الماء وهو المراد هنا ‏{‏وَهُمْ ظالمون‏}‏ أي والحال هم مستمرون على الظلم لم يتأثروا بما سمعوا من نوح عليه السلام من الآيات ولم يرعووا عما هم عليه من الكفر والمعاصي هذه المدة المتمادية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏فأنجيناه‏}‏ أي نوحاً عليه السلام ‏{‏وأصحاب السفينة‏}‏ أي من ركب فيها معه من أولاده وأتباعه، وكانوا ثمانين، وقيل‏:‏ ثمانين وسبعين نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم، وعن محمد ابن إسحق كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة، وروى مرفوعاً كانوا ثمانين نوح وأهله وبنوه الثلاثة أي مع أهليهم ‏{‏وجعلناها‏}‏ أي السفينة ‏{‏ءايَةً للعالمين‏}‏ عبرة وعظة لهم لبقائها زماناً طويلاً على الجودي يشاهدها المارة ولاشتهارها فيما بين الناس، ويجوز كون الضمير للحادثة والقصة المفهومة مما قبل وهي عبرة للعالمين لاشتهارها فيما بينهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏وإبراهيم‏}‏ نصب بإضمار اذكر معطوفاً على ما قبله عطف القصة على القصة فلا ضير في اختلافهما خبراً وإنشاءاً وإذ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ‏}‏ بدل اشتمال منه لأن الأحيان تشتمل على ما فيها، وقد جوز ذلك الزمخشري‏.‏ وابن عطية، وتعقب ذلك أبو حيان بأن إذ لا تتصرف فلا تكون مفعولاً به والبدلية تقتضي ذلك‏.‏ ثم ذكر أن إذ إن كانت ظرفاً لما مضى لا يصح أن تكون معمولة لا ذكر لأن المستقبل لا يقع في الماضي فلا يجوز ثم أمس، وإذا خلعت من الظرفية الماضوية وتصرف فيها جاز أن تكون مفعولاً بهع ومعمولاً لا ذكر، وجوز غير واحد أن يكون نصباً بالعطف على ‏{‏نوحاً‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 14‏]‏ فكأنه قيل‏:‏ وأرسلنا إبراهيم فاذ حينئذ ظرف للإرسال، والمعنى على ما قيل أرسلناه حين تكامل عقله وقدر على النظر والاستدلال وترقي من رتبة الكمال إلى درجة التكميل حيث تصدى لإرشاد الخلق إلى طرق الحق، وهذا على ما قاله بعض المحققين لما أن القول المذكور في حيز إذ إنما كان منه عليه السلام بعدما راهق قبل الإرسال، وأنت تعلم أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 18‏]‏ الخ إذا كان من قوله عليه السلام لقومه كالنص في أن القول المحكي عنه عليه السلام كان بعد الإرسال؛ وفي «الحواشي السعدية» أن ذلك إشارة إلى دفع ما عسى أن يقال‏:‏ الدعوة تكون بعد الإرسال والمفهوم من الآية تقدمها عليه، وحاصله أنه ليس المراد من الدعوة ما هو نتيجة الإرسال بل ما هو نتيجة كمال العقل وتمام النظر، مع أن دلالة الآية على تقدمها غير مسلمة ففي الوقت سعة، ويجوز أن يكون القصد هو الدلالة على مبادرته عليه السلام للامتثال اه فتدبر‏.‏

وجوز أبو البقاء، وابن عطية أن يكون نصباً بالعطف على مفعول ‏{‏أنجيناه‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 15‏]‏ وهو كما ترى، والأوفق بما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 36‏]‏ أن يكون النصب بالعطف على نوحاً‏.‏ وقرأ أبو حنيفة، والنخعي‏.‏ وأبو جعفر‏.‏ وإبراهيم بالرفع على أن التقدير ومن المرسلين إبراهيم، وقيل‏:‏ التقدير ومما ينبغي ذكره إبراهيم، وقيل‏:‏ التقدير وممن أنجينا إبراهيم، وعلى الأول المعلو لدلالة ما قبل وما بعد عليه، ويتعلق بذلك المحذوف ‏{‏إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعبدوا الله‏}‏ وحده ‏{‏واتقوه‏}‏ أن تشركوا به سبحانه شيئاً ‏{‏ذلكم‏}‏ أي ما ذكر من العبادة والتقوى ‏{‏خَيْرٌ لَّكُمْ‏}‏ من كل شيء فيه خيرية مما أنتم عليه على تقدير الخيرية فيه على زعمكم، ويجوز كون خير صفة لا اسم تفضيل ‏{‏إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ أي الخير والشر وتميزون أحدهما من الآخر، أو أن كنتم تعلمون شيئاً من الأشياء بوجه من الوجوه فإن ذلك كاف في الحكم بخيرية ما ذكر من العبادة والتقوى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏إنَّمَا تَعْبُدُونَ منْ دُون الله أوثانا‏}‏ بيان لبطلان دينهم وشريته في نفسه بعد بيان شريته بالنسبة إلى الدين الحق، أي ما تعبدون من دونه تعالى إلا أوثاناً هي في نفسها تماثيل مصنوعة لكم ليس فيها وصف غير ذلك ‏{‏وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً‏}‏ أي وتكذبون كذباً حيث تسمونها آلهة وتدعون أنها شفعاؤكم عند الله سبحانه؛ أو تعملونها وتنحتونها للإفك والكذب، واللام لام العاقبة وإلا فهم لم يعملوها لأجل الكذب، وجوز أن يكون ذلك من باب التهكم‏.‏ وقال بعض الأفاضل‏:‏ الأظهر كون إفكاً مفعولاً به والمراد به نفس الأوثان وجعلها كذباً مبالغة، أو الإفك بمعنى المأفوك وهو المصروف عما هو عليه، وإطلاقه على الأوثان لأنها مصنوعة وهم يجعلونها صانعاً‏.‏ وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ والسلمي‏.‏ وعون العقيلي‏.‏ وعبادة‏.‏ وابن أبي ليلى‏.‏ وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ‏{‏تخلقون‏}‏ بفتح التاء والخاء واللام مشددة، قال ابن مجاهد‏:‏ ورويت عن ابن الزبير وأصله تتخلقون فحذفت إحدى التاءين وهو من تخلق بمعنى تكذب وصيغة التكلف للمبالغة‏.‏ وزعم بعضهم جواز أن يكون تفعل بمعنى فعل‏.‏ وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما أيضاً ‏{‏تخلقون‏}‏ من خلق بالتشديد للتكثير في الخلق بمعنى الكذب والافتراء‏.‏ وقرأ ابن الزبير وفضل بن زرقان ‏{‏وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً‏}‏ بفتح الهمزة وكسر الفاء على أنه مصدر كالكذب واللعب أو وصف كالحذر وقع صفة لمصدر مقدر أي خلقاً أفكاً أي ذا أفك ‏{‏إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً‏}‏ بيان لشرية ما يعبدونه من حيث أنه لا يكاد يجديهم نفعاً، و‏{‏رِزْقاً‏}‏ يحتمل أن يكون مصدراً مفعولاً به ليملكون، والمعنى لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق، وأن يكون بمعنى المرزوق أي لا يستطيعون، إيتاء شيء من الرزق وجوز على المصدرية أن يكون مفعولاً مطلقاً ليملكون من معناه أو لمحذوف والأصل لا يملكون أن يرزقوكم رزقاً وهو كما ترى ونكر كما قال بعض الأجلة‏:‏ للتحقير والتقليل مبالغة في النفي، وخص الرزق لمكانته من الخلق ‏{‏فابتغوا عِندَ الله الرزق‏}‏ أي كله على أن تعريف الرزق للاستغراق‏.‏ قال الطيبي‏:‏ هذا من المواضع التي ليست المعرفة المعادة عين الأول فيها، وجوز أن تكون عين الأول بناءً على أن كلاً منهما مستغرق ‏{‏واعبدوه‏}‏ عز وجل وحده ‏{‏واشكروا لَهُ‏}‏ على نعمائه متوسلين إلى مطالبكم بعبادته مقيدين بشكره تعالى للعتيد ومستجلبين به للمزيد، فالجملتان ناظرتان لما قبلهما، وجوز أن يكون ناظرتين لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ كأنه قيل‏:‏ استعدوا للقائه تعالى بالعبادة والشكر فإنه إليه ترجعون، وجوز بعض المحققين أن تكون هذه الجملة تذييلاً لجملة ما سبق مما حكى عن إبراهيم عليه السلام أو لأوله، والمعنى إليه تعالى لا إلى غيره سبحانه ترجعون بالموت ثم بالبعث فافعلوا ما أمرتكم به وما بينهما اعتراض لتقرير الشرية كما سمعت‏.‏ وقرىء ‏{‏تُرْجَعُونَ‏}‏ بفتح التاء من رجع رجوعاً‏.‏